الشنقيطي
148
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يَشْعُرُونَ ( 56 ) [ المؤمنون : 55 - 56 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ [ 57 ] الآية . أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يخبر الكفار ، أن تعجيل العذاب عليهم الذي يطلبونه منه صلى اللّه عليه وسلم ليس عنده ؛ وإنما هو عند اللّه إن شاء عجله ، وإن شاء أخره عنهم ، ثم أمره أن يخبرهم بأنه لو كان عنده لعجله عليهم بقوله قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [ الأنعام : 58 ] الآية . وبين في مواضع أخر أنهم ما حملهم على استعجال العذاب إلا الكفر والتكذيب ، وأنهم إن عاينوا ذلك العذاب علموا أنه عظيم هائل لا يستعجل به إلا جاهل مثلهم ، كقوله : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 8 ) [ هود : 8 ] ، وقوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها [ الشورى : 18 ] الآية ، وقوله : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 54 ) [ العنكبوت : 54 ] ، وقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) [ يونس : 50 ] . وبين في موضع آخر أنه لولا أن اللّه حدد لهم أجلا لا يأتيهم العذاب قبله لعجله عليهم ، وهو قوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ [ العنكبوت : 53 ] ، الآية . تنبيه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ [ الأنعام : 58 ] الآية ، صريح في أنه صلى اللّه عليه وسلم لو كان بيده تعجيل العذاب عليهم لعجله عليهم ، مع أنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي اللّه عنها أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أرسل اللّه إليه ملك الجبال ، وقال له : إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها - فقال صلى اللّه عليه وسلم : « بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه لا يشرك به شيئا » « 1 » . والظاهر في الجواب : هو ما أجاب به ابن كثير - رحمه اللّه - في تفسير هذه الآية ، وهو أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبون تعجيله في وقت طلبهم لعجله عليهم ، وأما الحديث فليس فيه أنهم طلبوا تعجيل العذاب في ذلك الوقت ، بل عرض عليه الملك إهلاكهم فاختار عدم إهلاكهم ، ولا يخفى الفرق بين المتعنت الطالب تعجيل العذاب وبين غيره . قوله تعالى : * وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ 59 ] الآية .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق حديث 3231 ، ومسلم في الجهاد والسير حديث 111 .